بحث متقدم
في أمريكا الشمالية وأوروبا سنت الأنظمة والقوانين بمنعه في الأماكن العامة
هل يستكثر المدخن على غيره أن يستنشق هواء نقيا ونظيفا؟

من أبسط حقوق الإنسان أن يحصل على هواء نظيف
صادف يوم الخميس الماضي 31مايو اليوم العالمي لوقف التدخين. وتنظم منظمة الصحة العالمية هذا اليوم كل سنة منذ عام 1988.وقد نظم هذا اليوم لهذا العام تحت شعار "بيئة خالية من التدخين" حيث يركز على التدخين السلبي أو البيئي اي استنشاق غير المدخنين للدخان الذي يخرجه المدخنون مع الزفير بالإضافة لدخان السجائر الموجود في بيئة المدخن. والقراء الكرام يعلمون مضار التدخين ولابد من أنهم قد قرأوا الكثير عنها فدخان السجائر يحتوي على 4آلاف مادة سامة اكثر من خمسين منها يسبب السرطان. والمدخن السلبي يتعرض لكل هذه المواد كما يتعرض لها المدخن ولكن الفرق أن المدخن يتعرض لهذه المواد بمحض إرادته واختياره ولكن المدخن السلبي يتعرض لها رغما عنه بسبب تواجده في مكان عمله الذي يدخن فيه زملاؤه غير مهتمين بصحة الغير أو وجوده في مكان عام أو الأطفال المتواجدون في منزل يدخن فيه أحد أفراد العائلة. لا أدري لماذا يستكثر المدخن على غير المدخن أن يستنشق هواء نقيا ونظيفا، أليس من أبسط حقوق الإنسان أن يحصل على هواء نظيف ونقي ألم يحثنا ديننا على كف الأذى. من المهم أن ندرك أن الدخان هو ثاني سبب رئيسي للوفاة في العالم. ومن المعلوم أن نصف الذين يدخنون في العالم الآن (حوالي 650مليوناً) سيتوفون بسبب الدخان (بقدر الله). الأخطر من ذلك أن مئات الآلاف من الأشخاص الذين لم يسبق لهم التدخين يموتون كل سنة بسبب التدخين السلبي (أي أنهم يتوفون لأن ظروفهم تضطرهم للتواجد في أماكن بها مدخنون أنانيون لا يهتمون بصحة الآخرين).
وقد ناقشنا سابقا أن التدخين البيئي يزيد من احتمال إصابة الأطفال بالتهابات الجهاز التنفسي السفلي كما ان الدراسات ربطت التدخين البيئي أو السلبي بالإصابة بسرطان الرئة وتتابعت بعد ذلك الأدلة على صلة التدخين البيئي بتصلب الشرايين وجلطات القلب والدماغ ونقص وزن حديثي الولادة وزيادة احتمالات الإصابة بالربو وبأمراض الصدر الانسدادية المزمنة وغيرها من الآثار الصحية السيئة. لذلك بدأ الكثير من الدول المتقدمة منذ نهاية الثمانيات وبداية التسعينيات الميلادية بوضع القوانين التي تمنع التدخين في الأماكن العامة وتم تفعيل ذلك ووضعت الضوابط التي تلزم الجميع باحترام هذه القرارات ووضعت الاليات اللازمة للتأكد من التزام المدخنين بهذه الأنظمة فظهرت القوانين المختلفة في أمريكا الشمالية وأوروبا لمنع التدخين في الأماكن العامة حتى أن بعض الدول منعت التدخين بصورة كاملة ليس فقط في أماكن العمل والمطاعم والأسواق ولكن المنع وصل إلى البارات حيث يمنع مرتادوها من التدخين، في وقت لاتجد مكانا مخصصا لغير المدخنين في مطاعمنا. وقد أجريت دراسات كثيرة في الدول والمقاطعات التي شرعت قوانين منع التدخين لتقييم تأثير المنع على صحة الناس المرتادين للأماكن العامة. وقد أظهرت الدراسات نتائج مشجعة جدا تؤيد نظرية تطبيق قوانين منع التدخين في الأماكن العامة فقد أظهرت الدراسات أن مستوى المواد السامة في الدم لدى عينات عشوائية من غير المدخنين قد انخفضت بصورة كبيرة بعد المنع. كما أظهرت دراسة أجريت في سان فرانسيسكو أن معدل الإصابة بأعراض تهيج الجهاز التنفسي العلوي والعينين قد انخفض من 77% إلى 19% بعد المنع كما انخفضت أعراض الجهاز التنفسي السفلي مثل الأزيز والسعال والبلغم وضيق التنفس من 74% إلى 32% عند مرتادي الأماكن التي طبق فيها المنع. وتحسنت كذلك وظائف الرئتين المخبرية بصورة كبيرة. وأظهرت دراسة أجريت في ولاية مونتانا الأمريكية انخفاضا كبيرا في معدل الإصابة بجلطات القلب في الفترة التي تم فيها المنع مقارنة بالفترة التي سمح فيها بالتدخين في الأماكن العامة. وأظهرت الدراسات في الدول الأوروبية التي طبقت المنع نتائج مماثلة كما أن عدد المدخنين انخفض والذين استمروا في التدخين انخفض استهلاكهم للسجائر بصورة كبيرة. أتمنى أن نرى اليوم الذي يمنع فيه التدخين في الأماكن العامة لدينا وأن يفعل المنع وأن نستفيد من تجارب من سبقونا في هذا المجال حفاظا على صحتنا. بقي أن أضيف أن الدول التي طبقت المنع وجدت أن عملية التطبيق ليست بالموضوع الصعب وأن العامة يتقبلون مثل هذا الأمر حتى المدخنين أنفسهم يتقبلونه في نهاية الأمر ولكن الخبراء في فنلندا وهي إحدى الدول التي تطبق المنع ينصحون بأن يواكب المنع حملات إعلامية توعوية بخطر التدخين البيئي أو السلبي وأن تنشط البرامج التي تساعد المدخنين على وقف التدخين. نسأل الله للجميع الصحة والعافية.
المصدر: جريدة الرياض
الكاتب:
أ.د. أحمد سالم باهمام
كلية الطب - جامعة الملك سعود
أستاذ واستشاري أمراض الصدر واضطرابات النوم
مدير المركز الجامعي لطب وأبحاث النوم
العيادة:
+966 1 4802229 +966 1 4831428 +966 1 4885980
خريطة الموقع







